السيد الطباطبائي

230

تفسير الميزان

ويقيني من الماء فلا أغرق ، قال نوح : لا عاصم اليوم - وهو يوم اشتد غضب الله وقضى بالغرق لأهل الأرض الا من التجأ منهم إلى الله - من الله لا جبل ولا غيره ، وحال بين نوح وابنه الموج فكان ابنه من المغرقين ولو لم يحل الموج بينهما ولم ينقطع الكلام بذلك لعرف كفره وتبرأ منه . وفي الكلام إشارة إلى أن أرضهم كانت أرضا جبلية لا مؤنة زائدة في صعود الانسان إلى بعض جبال كانت هناك . قوله تعالى : ( وقيل يا أرض ابلعي ماءك ويا سماء أقلعي وغيض الماء وقضى الامر واستوت على الجودي وقيل بعدا للقوم الظالمين ) البلع اجراء الشئ في الحلق إلى الجوف ، والاقلاع الامساك وترك الشئ من أصله ، والغيض جذب الأرض المائع الرطب من ظاهرها إلى باطنها وهو كالنشف يقال : غاضت الأرض الماء أي نقصته . والجودي مطلق الجبل والأرض الصلبة ، وقيل : هو جبل بأرض موصل في سلسلة جبال تنتهى إلى أرمينية وهى المسماة ( آرارات ) . وقوله : ( وقيل يا أرض ابلعي ماءك ويا سماء أقلعي ) نداء صادر من ساحة العظمة والكبرياء لم يصرح باسم قائله وهو الله عز اسمه للتعظيم ، والامر تكويني تحمله كلمة ( كن ) الصادرة من ذي العرش تعالى يترتب عليه من غير فصل أن تبتلع الأرض ما على وجهها من الماء المتفجر من عيونها ، وأن تكف السماء عن أمطارها . وفيه دلالة على أن الأرض والسماء كانتا مشتركتين في اطغاء الماء بأمر الله كما يبينه قوله تعالى : ( ففتحنا أبواب السماء بماء منهمر وفجرنا الأرض عيونا فالتقى الماء على أمر قد قدر ) القمر : 12 . وقوله : ( وغيض الماء ) أي نقص الماء ونشف عن ظاهر الأرض وانكشف البسيط ، وذلك انما يكون بالطبع باجتماع ما يمكن اجتماعه منه في الغدران وتشكيل البحار والبحيرات ، وانتشاف ما على سائر البسيطة . وقوله : ( وقضى الامر ) أي أنجز ما وعد لنوح عليه السلام من عذاب القوم وأنفذ الامر الإلهي بغرقهم وتطهر الأرض منهم أي كان ما قيل له كن كما قيل